بدأ أهالي مدينة الرقة تجهيز حقائبهم لرحلة جديدة نحو المجهول، بعد التصريحات والوعود الأميركية بضرب “ داعش” أينما وجد. بعضهم استقل قطار الهروب والبعض الآخر ينتظر دوره في المحطة، و”أعداد الراحلين إلى ارتفاع يومي خاصة في المناطق القريبة من مقرات التنظيم، وذلك مع بدء ظهور ملامح الضربة القادمة في سماء المدينة بتحليق أول طائرة أميركية من دون طيار في الخامس من الشهر الحالي، لتستمر في طلعات يومية بمعدل طلعة إلى طلعتين يومياً”، بحسب ما قاله الناشط أبو ابرهيم الرقاوي في اتصال مع “النهار”، والذي أضاف: “الخشية من الآتي دفعت أهالي المدينة للانتقال إلى الريف وحلب وتركيا ومناطق أخرى أكثر أمناً. ولم يقتصر الخوف على الأهالي بل طال عناصر”الدولة الإسلامية” الذين بدأوا باخلاء مقراتهم والانتقال إلى الريف، كما قاموا بنصب مضادات للطيران بين البيوت لاستخدام السكان دروع بشرية”.
بين مؤيد ومعارض
آراء أهالي المدينة انقسمت بين مؤيد للعملية العسكرية الأميركية ومعارض لها،حيث أشار الرقاوي الى ان “هناك قسماً يرفض الضربة معلناً وقوفه إلى جانب “داعش” معتبراً أن الولايات المتحدة لا تقدم على خطوة لصالح الشعب السوري، ولو أرادت ذلك لكانت قصفت مقرات نظام بشار الأسد منذ بدء الثورة، بالإضافة إلى ذلك فإن الصواريخ لن تطال التنظيم بقدر المدنيين، في حين أن القسم الثاني مستعد للتعاون مع الشيطان من أجل الخلاص من داعش”.
أوضاع مزرية
المدينة الواقعة على الضفة الشرقية لنهر الفرات شمال شرقي العاصمة دمشق، تعيش حالة سيئة جداً منذ سيطرة الدولة الإسلامية عليها في 12 كانون الثاني الماضي إثر صراع عسكري دامٍ لثمانية أيام مع الجيش الحر وثوار ككتائب أحرار الشام”. ويشير الرقاوي الى “وجود نقص في الخدمات وتدهور للبنية التحتية،المستشفيات خرجت عن الخدمة، بعض الجرحى يتم نقلهم إلى تركيا حيث يلاقي عدداً منهم حتفه على الطريق بسبب بعد المسافة، أما المستشفى الوطني فقد خرج عن الخدمة ولا يوجد غير براد الجثث مستمر في وظيفته، تحولت البيوت إلى مشافي ميدانية تفتقر لأبسط المعدات”.
واستطرد أبو ابرهيم في الحديث عن المعاناة اليومية التي يواجهها الأهالي “حدث ولا حرج عن ارتفاع الأسعار وقلة المال وندرة الموارد، فالفقر رفيق الكثيرين، وداعش تفرض جزية قدرها 1500 ليرة على كل صاحب متجر، ومن تسول له نفسه عدم الدفع فإن العقاب أو السجن بانتظاره، بالإضافة إلى ذلك هناك أكثر من 1500 عائلة تعتاش على الوجبة الاغاثية التي يقدمها مطبخ الرقة، أي أنها تكتفي بوجبة واحدة خلال النهار والأمراض متفشية ولا يوجد من يطبب”.
تطهير منظم
منذ أن وضع التنظيم قدمه داخل المدينة بدأ حملة تطهير ضد الأقليات، فقام بطرد المسيحيين والاستيلاء على ممتلكاتهم وكنائسهم باعتبارها “غنائم حرب” ليصدر بعدها بياناً يبيّن حقوق وواجبات من بقيَ منهم، حيث تم تخييرهم بين دفع الجزية واشهار الاسلام.
وتوسعت الحملة من رفض الآخر على أساس ديني إلى رفضه على أساس عرقي فجاء دور الأقلية الكردية، وبدأ التضييق عليها من خلال ملاحقة أبنائها واعتقالهم بحجة الانتماء للفصائل الكردية المسلحة.
فروض “داعش”
بعد سيطرته على المدينة التي يقطنها ما يقارب من النصف مليون شخص، بدأ التنظيم بوضع أسس دولته، فأصدر بياناً حدد فيه مجموعة من الأمور يتعيّن على السكان الأخذ بها وهي بحسب ما أورده في بيانه: القرار الأول “فرض النقاب”، القرار الثاني “منع الموسيقى والغناء والصور على المحلات”، القرار الثالث “منع بيع الدخان والأراكيل”، القرار الرابع “فريضة صلاة الجماعة في المسجد للمسلمين”، لكنهم في الفترة الأخيرة، وفق الرقاوي، بدأوا يدققون في أتفه الأمور “كـ لون حذاء المرأة وجراباتها، حتى أنه تم بالأمس اعتقال شخص لمجرد كونه يمسك يد زوجته”.
التعليم في مهب الريح
وأردف أبو ابرهيم انه “لا يوجد أي نوع من التعليم بل حلقات لتحفيظ القرآن في الجوامع”، مضيفاً: “لقد ألغوا مواد التاريخ والقومية والديانة من المناهج،معلنين أنه سيتم وضع منهاج جديد، كما دعوا المعلمين إلى دورة شرعية وإلا لن يحق لهم العمل في هذا المجال”.
“الرقة تذبح بصمت”
“الرقة تذبح بصمت” هو اسم الحملة التي أطلقها أبو ابرهيم و15 ناشط من الشباب السوري لتسليط الضوء على معاناة مدينة يقتل أبناؤها في سجون التنظيم الذي يقوم بإعدام العشرات بشكل سري، “حتى باتت الرقة أقرب لمقبرة منها لمدينة والهدف من الحملة المستمرة منذ شهور طرد داعش من المدينة”، ختم الرقاوي.